بسم الله أبدأ، خالق الابتداء، و من دون عمد ثبّت السماء، آمن به العقلاء، فصاروا أتقياء، فأعلاهم علواً بلغوا به منزلة الشهداء، سبحانه و له الثناء، ثناء الأنبياء.. و صلاة و تسليم على خاتم الأنبياء، حفظ فؤاده من كل معصية و داء، و ابتلي مر البلاء، ثم خفف عنه بمعراج قبله إسراء، فصدقه الأصدقاء، و كذّبه الأعداء، و مضى يشق طريق الضياء، و بلّغ الرسالة باعتناء، و سيشفع لأمته عند ذو العزة و الكبرياء.. بلّغنا يا رب في الآخرة شفاعته، و في الدنيا زيارته، و اسقنا من حوضه الشريف شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا…
اعلم رحمك الله أن الله خلقنا مزيجا من ثلاث: العقل، و الروح، و البدن. و من حكمته سبحانه أن خلقنا لنعبده، فقال سبحانه: (و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون) ، فهذه حكمة و ليست علة أو سبب، فالله لايخلق لعلة، فلو كانت علة لأوجبت عدم وجود مخلوق يكفر بنعمته، فالعلة هي ما يلزم وجودها الوجود و يلزم عدمها العدم، بينما نجد هنا وجود و عدم.
و من حكمته سبحانه أن خلقنا ليبلونا. قال تعالى: (الذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ، و قال جل جلاله: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا). و أن بلائنا هو المرض، و المرض متعلق بإحدى ثلاث: إما بعقل أو روح أو بدن. و العلاج و الوقاية من هذه الأمراض هو الإدخال الصحي و الإخراج الصحي، فمرض العقل علاجه و الوقاية منه إدخال العلمالنافع به و إخراجه بالعمل به، و مرض الروح علاجه و الوقاية منه إدخال القيم و السلوكيات الصحيحة (التربية) و إخراج القيم و السلوكيات السيئة (التزكية)، و مرض البدن علاجه و الوقاية منهإدخال الطاقة عن طريق الغذاء السليم و إخراجها عن طريق الرياضة و الزواج و العمل النافع.
و اعلم أن من حاز العقل و الروح و البدن صار مكلفا؛ فقد كنا نسمات(1) و ما حوسبنا إلا عندما اجتمعت أجزاؤنا ، و من فقد أحدها - أو بعض أحدها- رُفع عنه القلم فيما فقد. فالمجنون الذي فقد عقله لا يؤاخذهالله فيما فعل، و الميت الذي فقد روحه قد وقف عمله فلا يحاسب إلا على سنة سيئة أو حسنة مستمرة، و الأعمى الذي فقد عينه قد سقط الجهاد عنه، و الأعرج لا يجاهد بلا حرج، و رب مستطيع علىالقيام مرض فصلى قاعدا أو نائما. فمواجهة البلاء تكون بالإحسان في العمل (الإدخال و الإخراج)؛ أي إتقان العبادة بصيانة الجهاز الذي يوجه العقل و الروح و البدن، فيكون الجهاز بعد ذلك قلباً سليماً ينفع صاحبه (يوم لاينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم).
و قد لاقت الأجزاء الثلاثة اهتمام العلماء في أدق تفاصيلها، فألفوا المؤلفات. فمثلهم و مؤلفاتهم كمثل الجبال العالية. و مثل هذه السطور كمثل السلّم الذي يسنده القارئ على تلك الجبال فيصعدها و يبلغ قمتها. فطريقة الارتقاء مختلفة، لكنها تستند إلى الأصول الثابتة و الصحيحة. و مقصدنا في هذه السطور هو القلب و الروح لكننا لن نركن العقل و البدن في بدايتها فقط، بل سنصحب الجميع في هذه الرحلة لخطورة الفصل بينهم و حاجة كل منهم للآخر كما سيتبين لاحقاً. فهلم بنا نشد الهمم، و نتعمق في بني آدم، لكن قبل ذلك.. لا بد لنا من معرفة بعض الحقائق…
حقيقة حديث سيدنا جبريل –عليه السلام-
أراد الإمام النووي –رحمه الله- أن يذكر الإسلام بشموله في 42 حديث فقط!! فاختار أهم و أشمل الأحاديث و رتبها بحسب أهميتها. فأخرج لنا كتابه (الأربعون النووية) الصغير في حجمه و العظيم في جوهره. و قد جاء حديث سيدنا جبريل –عليه السلام- الثاني ترتيبا بعد حديث (إنما الأعمال بالنيات)، فقد لخص هذا الحديث أسس الدين، و رواه سيدنا عمر بن الخطاب قائلا: بينما نحن جلوس عـند رسـول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم اذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثـر السفر ولا يعـرفه منا احـد. حتى جـلـس إلى النبي صلي الله عليه وسلم فـأسند ركبـتيه إلى ركبتـيه ووضع كفيه على فخذيه، وقـال: " يا محمد أخبرني عن الإسلام ".
فقـال رسـول الله صـلى الله عـليه وسـلـم :(الإسـلام أن تـشـهـد أن لا إلـه إلا الله وأن محـمـد رسـول الله وتـقـيـم الصلاة وتـؤتي الـزكاة وتـصوم رمضان وتـحـج البيت إن اسـتـطـعت اليه سبيلا).
قال : صدقت.
فعجبنا له، يسأله و يصدقه؟
قال : فأخبرني عن الإيمان .
قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر وتؤمن بالقدر خيره وشره .
قال : صدقت .
قال : فأخبرني عن الإحسان .
قال : ان تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
قال : فأخبرني عن الساعة .
قال : "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل "
قال : فأخبرني عن أماراتها .
قال : " أن تلد الأم ربتها ، وان ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان"
ثم انطلق ، فلبثت مليا ،ثم قال :" يا عمر أتدري من السائل ؟"
قلت : "الله ورسوله أعلم ".
قال : فإنه جبريل ، أتاكم يعلمكم دينكم "
ففي قوله صلى الله عليه و سلم (أتاكم يعلمكم دينكم) إشارة أنه قد استعرض الدين بأكمله، و بالفعل فقد استعرض الجزء المعني بالبدن و هو الإسلام، و استعرض الجزء المعني بالقلب و هو الإيمان، و استعرض الجزء المعني بالروح و هو الإحسان. و قد اهتم العلماء بأركان الإسلام حتى أسسوا لهذه الأركان علماً خاصاً بها و هو علم الفقه، فظهر علم الفقه بجميع مدارسه. كما اهتم علماء آخرون بأركان الإيمان حتى أسسوا أيضاً علما خاصاً بهذه الأركان و هو علم العقيدة، و بعضهم سماه علم التوحيد، و البعض سماه علم الكلام. و اهتمت نخبة أيضاً بالإحسان و أركانه فتأسس علم التزكية أو الأخلاق أو التصوف، و بمدارس مختلفة أيضاً. فأثرت هذه المدارس جميع هذه العلوم مما زادت في تفرعاتها. فعلى سبيل المثال: انضم لفقه الطهارة و الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج نوع آخر من الفقه ألا و هو فقه المعاملات الذي نظم الحياة المدنية و العسكرية آنذاك و باتت الحاجة ملحة للبحث في أمور أكثر دقة من أجل حياة أفضل مهدها لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم، فبرع المسلمون في الطب و العلوم العسكرية و الرياضيات و غيرها. كما بحث المسلمون في الأمور العقلية و الفلسفة، و بحثوا أيضا في سلوك الإنسان. و بات المسلمون رواداً في العلوم الأحيائية و العقلية و الإنسانية. و وصلوا لذروة عطائهم في العصور الذهبية الوسطى التي تزامنت مع العصور الظلمى في أوروبا.
حقيقة الروح و ارتباطها الوثيق بالعقل و البدن
على مر العصور، و إلى يومنا هذا، يعيش الناس في إحدى بيئات ثلاث: أما البيئة الأولى فهي بيئة مادية حيوانية منحطة تهدف إلى ملء البطون و تفريغ الشهوات الجنسية، لا يرقى من فيها إلى منزلة الإنسان كونه مخلوق أعد لإعمار الأرض. و أما البيئة الثانية فهي بيئة روحانية منحرفة تكاد لا تلتفت لأصل البشر الطيني. و أما البيئة الثالثة فهي البيئة التي أخذت بالاعتبار أصل التكوين البشري من الطين و الروح، فأوجدت نظام حياة متزن، فمع هذا النظام صار الإنسان لا ينكر اتباع العقل فهو قطعة منه، بينما يتبع النقليات في محلها فقط، فلا يسلم للتعاليم المنقولة دون تقييمها في عقله. و هذا هو حال الإنسان الطب
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ